الدوري الألماني الدرجة الثانية يسجّل متوسط حضور أعلى من الدوري الفرنسي الممتاز. الرقم الأول 28,386 متفرجًا، والثاني 27,576. هذه المقارنة وحدها تكشف أن الحضور الجماهيري لا يتبع بالضرورة المال ولا مستوى اللاعبين. هذه المقالة تشرح أرقام الحضور في الدوريات الأوروبية لموسم 2025-2026: من يتصدر، ولماذا، وماذا تعني هذه الأرقام ماليًا.

الصورة العامة
تجاوز إجمالي الحضور في دوريات أوروبا الخمسة الكبرى 60 مليون متفرج في موسم 2025-2026، بمتوسط عام بلغ 34,402 متفرجًا في المباراة، بارتفاع 2.4% عن الموسم السابق.
هذا الارتفاع ليس تفصيلًا عابرًا. فالحضور في أوروبا يقترب من سقفه الطبيعي، إذ تعمل الدوريات الكبرى بنسب إشغال مرتفعة جدًا، ولا مجال لزيادة كبيرة إلا ببناء ملاعب أكبر أو توسعة القائمة.
ترتيب الدوريات الخمسة
الفارق بين الأول والثاني أقل من ألف متفرج، بينما الفجوة بين المركزين الثاني والثالث تتجاوز عشرة آلاف.
لماذا عاد الدوري الألماني إلى الصدارة؟
تصدّر الدوري الإنجليزي هذا المؤشر في موسم 2024-2025، ثم استعاد الدوري الألماني الصدارة في 2025-2026 بارتفاع بلغ 9.4% عن موسمه السابق.
السبب المباشر ليس تغيّرًا في سلوك الجمهور، بل تغيّرًا في تركيبة الدوري. فقد صعد ناديان من أكثر الأندية الألمانية جماهيرية إلى الدرجة الأولى: هامبورغ الذي سجّل متوسط 56,947 متفرجًا، وكولن بمتوسط 49,918.
والمثير أن هذين الناديين لم يكونا بحاجة إلى الدرجة الأولى لتحقيق هذه الأرقام. فهامبورغ حافظ على متوسط يتجاوز 53 ألف متفرج خلال ثلاثة مواسم قضاها في الدرجة الثانية، وكولن بقي قريبًا من 50 ألفًا في موسمه خارج النخبة.
الأندية الأعلى حضورًا
في مقدمة القارة يقف ناديان ألمانيان. سجّل بوروسيا دورتموند متوسطًا يقارب 80 ألف متفرج، وهو الأعلى في أوروبا، يليه بايرن ميونخ.
وفي إنجلترا تصدّر مانشستر يونايتد بمتوسط 73,271 متفرجًا. وفي إسبانيا جاء ريال مدريد في المقدمة بمتوسط 71,549. وفي إيطاليا تصدّر ميلان بمتوسط 73,370. وفي فرنسا تصدّر مارسيليا بمتوسط 62,612.
اللافت أن أعلى الأرقام الفردية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا تنافس الأرقام الإنجليزية، لكن متوسط الدوري ككل يبقى أقل بكثير، وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
الفجوة داخل الدوري الواحد
المتوسط رقم خادع. ففي كل دوري فارق هائل بين أعلى الأندية وأدناها:
إنجلترا: من 73,271 عند مانشستر يونايتد إلى 11,175 عند بورنموث.
ألمانيا: من نحو 80 ألفًا عند دورتموند إلى 13,541 عند هايدنهايم.
إسبانيا: من 71,549 عند ريال مدريد إلى 8,196 عند خيتافي.
إيطاليا: من 73,370 عند ميلان إلى 11,033 عند بيزا.
فرنسا: من 62,612 عند مارسيليا إلى 8,120 عند موناكو.
هذا الفارق يعكس حجم الملاعب أكثر مما يعكس شعبية الأندية. فنادٍ في مدينة صغيرة بملعب سعته 15 ألفًا لا يمكنه تسجيل رقم كبير مهما بلغ حماس جمهوره.
نسبة الإشغال: المؤشر الأدق
لهذا السبب تحديدًا، فإن نسبة الإشغال أدق من المتوسط المطلق.
الدوريان الألماني والإنجليزي يعملان بنسبة إشغال تقارب 97%، أي أن المقاعد المتاحة تُباع كلها تقريبًا. وهذا يعني أن أي زيادة في الحضور تتطلب توسعة الملاعب، وهو ما يفسر موجة مشاريع التوسعة الجارية في إنجلترا تحديدًا.
أما الدوريان الإسباني والإيطالي فيعملان بنسب تتراوح بين 81 و84%، أي أن لديهما هامشًا غير مستغل. والسبب في إيطاليا معروف: ملاعب قديمة كبيرة السعة بمرافق متأخرة، وكثير منها بمضامير ألعاب قوى تبعد الجمهور عن الملعب.
أثر ملعب واحد على دوري كامل
أوضح مثال على تأثير البنية التحتية جاء من إنجلترا. فقد انتقل إيفرتون إلى ملعبه الجديد، فارتفع متوسط حضوره من 39,173 في ملعبه القديم إلى 52,132، أي بزيادة تقارب 13 ألف متفرج في كل مباراة.
هذه الزيادة وحدها أنتجت نحو 240 ألف حضور إضافي عبر الموسم، وشكّلت أكثر من نصف إجمالي الزيادة في حضور الدوري الإنجليزي كله.
الدرس واضح: الطلب كان موجودًا أصلًا، وما كان ينقص هو المقاعد.
الحضور لا يساوي الإيرادات
هنا تنقلب الصورة تمامًا. فالدوري الألماني يتفوق في عدد الحضور، بينما يتفوق الدوري الإنجليزي في المال بفارق هائل.
بلغت إيرادات التذاكر في أندية الدرجة الأولى الإنجليزية نحو 1.06 مليار يورو في عام واحد، أي ما يقارب ضعف نظيرتها الألمانية.
والمثال الأوضح هو بوروسيا دورتموند نفسه: النادي الأعلى حضورًا في أوروبا، لكنه يحتل مرتبة متأخرة في إيرادات التذاكر لكل مباراة، ومرتبة أكثر تأخرًا في الإيراد لكل متفرج، بينما يتصدر هذا المؤشر باريس سان جيرمان.
السبب بسيط: التذكرة الألمانية أرخص بكثير، ومناطق الوقوف التي ترفع العدد هي الأقل سعرًا في الملعب.
خارج الدوريات الخمسة
الأرقام المرتفعة ليست حكرًا على الدوريات الكبرى. فبعض الدوريات الأصغر تسجّل أرقامًا تنافس الكبار في أنديتها الرائدة.
في هولندا والبرتغال واسكتلندا وتركيا واليونان، تسجّل الأندية الكبرى نسب إشغال شبه كاملة رغم محدودية السوق التلفزيوني. وفي البرتغال مثلًا يتجاوز متوسط حضور أكبر الأندية 60 ألف متفرج، وهو رقم يفوق معظم أندية الدوريات الخمسة الكبرى.
والقاعدة نفسها تتكرر: المقاعد المتاحة والأسعار المنخفضة والارتباط المحلي تنتج ملاعب ممتلئة، بغض النظر عن حجم الدوري ماليًا.
نموذجان متعارضان
ما سبق يلخص فلسفتين مختلفتين لإدارة الملعب:
النموذج الألماني يعتمد على أسعار منخفضة وأماكن وقوف وقاعدة أعضاء كبيرة، فينتج ملاعب ممتلئة وأجواء قوية وإيرادًا أقل لكل مقعد.
النموذج الإنجليزي يعتمد على أسعار مرتفعة ونسبة ضيافة كبيرة، فينتج إيرادًا أعلى بكثير من العدد نفسه تقريبًا، مع نقاش دائم حول ابتعاد الجمهور المحلي.
لا يوجد نموذج صحيح وآخر خاطئ، لكن لكل منهما ثمنه. الأول يترك مالًا على الطاولة، والثاني يخاطر بتغيير تركيبة المدرجات تدريجيًا.
ما الذي يرفع الحضور فعلًا؟
ثلاثة عوامل تظهر بوضوح في أرقام هذا الموسم:
سعة الملعب. وهو العامل الأقوى بلا منافس. الأندية التي وسّعت ملاعبها أو انتقلت إلى ملاعب جديدة سجّلت قفزات فورية، بينما ظلت أندية ذات جماهيرية كبيرة حبيسة أرقام متوسطة لأن ملاعبها صغيرة.
السعر. الدوريات ذات التذاكر الأرخص تسجّل نسب إشغال أعلى، حتى في الأندية المتوسطة. وهذا يفسّر تفوق الدرجة الثانية الألمانية على دوريات ممتازة في أوروبا.
الثقافة المحلية. حضور نادٍ في مدينة صناعية متوسطة قد يفوق حضور نادٍ في عاصمة كبرى، لأن الأول جزء من هوية المدينة والثاني خيار ترفيهي ضمن خيارات كثيرة.
أما النتائج الرياضية فتأثيرها أقل مما يُظن. أندية بقيت ملاعبها ممتلئة خلال سنوات هبوط أو تراجع، وهو ما يكشف أن العلاقة بالمكان أقوى من العلاقة بالترتيب.
أرقام لافتة من الموسم
أعلى حضور في الدوري الألماني تكرر ستة عشر مرة عند الرقم نفسه: 81,365 في دورتموند.
أعلى حضور في الدوري الإسباني: 78,107 في مباراة بين ريال مدريد وبرشلونة في أكتوبر 2025.
أعلى حضور في الدوري الإيطالي: 75,681 في مباراة بين ميلان ويوفنتوس في أبريل 2026.
أعلى حضور في الدوري الإنجليزي: 74,257 في مباراة لمانشستر يونايتد في أغسطس 2025.
الدرجة الثانية الألمانية: متوسط 28,386، أعلى من الدوري الفرنسي الممتاز.
كيف تُحتسب هذه الأرقام؟
قبل الاعتماد على أي رقم حضور، يجب معرفة طريقة احتسابه، لأنها تختلف بين الدوريات.
بعض الاتحادات تنشر عدد التذاكر المباعة، ويشمل ذلك أصحاب الاشتراكات الموسمية سواء حضروا أم لا. وبعضها ينشر الحضور الفعلي المسجل عند البوابات، وهو رقم أقل دائمًا.
الفارق بين الطريقتين قد يبلغ آلاف المتفرجين في المباراة الواحدة، خصوصًا في مباريات منتصف الأسبوع أو في الطقس السيئ.
ولهذا تجد اختلافات بسيطة بين المصادر في متوسط الدوري نفسه، وهي اختلافات منهجية لا أخطاء.
ماذا تعني هذه الأرقام لمستقبل الملاعب؟
الاستنتاج العملي من أرقام هذا الموسم أن الدوريات التي تعمل قرب سقف طاقتها لن تنمو إلا بالبناء.
ولهذا نرى ما نراه اليوم: مشروع ملعب جديد بسعة 100 ألف في مانشستر، ودراسات توسعة تتجاوز 70 ألفًا في لندن، وتوسعة اكتملت في مانشستر تجاوزت 61 ألفًا، وملعب جديد في ليفربول رفع متوسط ناديه 13 ألفًا دفعة واحدة.
أما في إيطاليا وإسبانيا فالمعادلة مختلفة: المقاعد موجودة لكنها لا تُملأ، والمطلوب تحسين التجربة والأسعار والمرافق لا زيادة السعة.
0 تعليقات